أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
240
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
البخل ، أي . كراهة البخل ، ويؤيد عدم الزيادة رواية الجر . قال أبو عمر بن العلاء : « الرواية فيه بخفض « البخل » ، لأن « لا » تستعمل في البخل ، وأنشدوا أيضا على زيادتها قول الآخر : 2160 - أفعنك لا برق كأنّ وميضه * غاب تسنّمه ضرام مثقب يريد : أفعنك برق . وقد خرجه الشيح « 1 » على احتمال كونها عاطفة وحذف المعطوف ، والتقدير : أفعنك لا عن غيرك . وكون « لا » في الآية زائدة هو مذهب الكسائي ، والفراء ، وأبي إسحاق ، وما ذكرته من كون « البخل » بدلا من « لا » ، و « لا » مفعول بها هو مذهب الزجاج . وحكى بعضهم عن يونس ، قال : « كان أبو عمرو بن العلاء يجر « البخل » ، ويجعل « لا » مضافة إليه ، أراد : أبى جوده لا التي هل للبخل ، لأن « لا » قد تكون للبخل والجود ، فالتي للبخل معروف ، والتي للجود أنه لو قال له : امنع الحق ، أو لا تعط المساكين ، فقال : لا ، كان جودا » . قلت : يعني فتكون الإضافة للتبيين ، لأن « لا » صارت مشتركة ، فميزها بالإضافة وخصصها به . وقد تقدم طرف جيّد من زيادة « لا » في أواخر الفاتحة ، وأقوال الناس في ذلك . وقد زعم جماعة أن « لا » في هذه الآية غير زائدة ، لكن اختلفت عباراتهم في تصحيح معنى ذلك ، فقال بعضهم : في الكلام حذف يصح به النفي ، والتقدير : ما منعك فأحوجك ألّا تسجد . وقال بعضهم : المعنى على : ما ألجأك ألّا تسجد ؟ وبعضهم : من أمرك ألا تسجد ؟ أو من قال لك : ألّا تسجد ، أو ما دعاك ألّا تسجد ؟ وهذا تمحّل من يتحرج من نسبة الزيادة إلى القرآن ، وقد تقدم تحقيقه ، وأن معنى الزيادة على معنى يفهمه أهل العلم ، وإلا فكيف يدّعي زيادة في القرآن بالعرف العام ؟ هذه ما لا يقوله أحد من المسلمين . و « ما » استفهامية في محل رفع بالابتداء ، والخبر الجملة بعدها ، أي : أيّ شيء منعك ؟ و « أن » في محل نصب أو جر ، لأنها على حذف حرف الجر ، إذ التقدير : ما منعك من السجود ؟ . و « إِذْ » منصوب ب « تَسْجُدَ » ، أي : ما منعك من السجود في وقت أمري إيّاك به . وقوله : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ لا محل لهذه الجملة ، لأنها كالتفسير والبيان للخيرية . وقوله : مِنْها و فِيها . الضمير يعود على الجنة ، لأنه كان من سكانها عن ابن عباس : أنهم كانوا في عدن ، لا في جنة الخلد . وقيل : يعود على السماء ، لأنه يروى في التفسير أنه وسوس إليهما وهو في السماء . وقيل : على الأرض ، أمر أن يخرج منها إلى جزائر البحار ، ولا يدخل في الأرض إلا كالسارق . وقيل : على الرّتبة المنيفة والمنزلة الرفيعة . وقيل : على الصورة والهيئة التي كان عليها ، لأنه كان مشرق الوجه ، فعاد مظلمه . وقوله : « فَاخْرُجْ » تأكيد ل « اهبط » ، إذ هو بمعناه . وقوله : « فِيها » لا مفهوم له ، يعني أنه لا يتوهم أنه يجوز أن يتكبر في غيرها . ولما اعتبر بعضهم هذا المفهوم احتاج إلى تقدير حذف معطوف ، كقوله : تَقِيكُمُ الْحَرَّ « 2 » ، قال : والتقدير : فما يكون لك أن تتكبر فيها ، ولا في غيرها . والضمير في : يُبْعَثُونَ . يعود على بني آدم ، لدلالة السياق عليهم ، كما دل على ما عاد عليه الضميران في « مِنْها ، و فِيها » كما تقدم .
--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 273 ) . ( 2 ) سورة النحل ، آية ( 81 ) .